قصيدة النثر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

قصيدة النثر

مُساهمة  محمد الرفاعي في الإثنين سبتمبر 20, 2010 5:19 am




ظهر مصطلح قصيدة النثر في الأدب العربي في مجلة شعر سنة 1960 للدلالة على شكل تعبيري جديد انتهت إليه الكثير من الأشكال التجريبية التي جربها جيل النصف الأول من القرن العشرين، كالنثر الشعري والشعر المنثور والشعر الحر. ويعد في مرحلته بمثابة الثورة الأخيرة على عمود الشعر العربي في بعده الإيقاعي خاصة. وقد اعتمد كل من أدونيس وأنسي الحاج في دراستيهما التأسيسيتين على كتاب سوزان برنارد " قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا" إلى درجة القول: إن ما كتبه هذان الباحثان الشاعران لا يعدو أن يكون مجرد تركيب لمقاطع من هذا الكتاب. وقد أرجع أدونيس ظهور هذا المصطلح ونجاحه في الشعر الحديث إلى ما يلي:
ـ التحرر من نظام العروض الخليلي الذي ظل حاجزا نفسيا يقف ضد كل تجديد أو تطوير في الشعر العربي، وهذا التحرر قرب المسافة الفاصلة بين الخطابين النثري والشعري.
ـ الرغبة الجامحة في التخلص من كل ما يمت إلى الأشكال والقواعد الموروثة بصلة، والبحث الجدي عن بديل لما تم هدمه وتجاوزه .
ـ التوراة والتراث الأدبي القديم في مصر وبلدان الهلال الخصيب ، وهو تراث يتميز بكتاباته النثرية ذات النفس الشعري .
ـ ترجمة الشعر الغربي، فالقارئ العربي يعده شعرا على الرغم من تحرره من الوزن والقافية ، ويتحسس أبعاده الشعرية المتولدة عن الصورة ووحدة الانفعال.
ـ اختمار الأشكال التجريبية ما قبل قصيدة النثر، وآخرها النثر الشعري. والفرق بين هذين الشكلين في تصور أدونيس هو نفسه الفرق بين الشعر والنثر، فالنثر الشعري هو نثر قبل كل شيء يتسم بما يتسم به كل خطاب نثري من "استرسال واستسلام للشعور دون قاعدة فنية ومنهج شكلي بنائي وسير في خط مستقيم ليس له نهاية، لذلك فهو روائي أو وصفي يتجه غالبا إلى التأمل الأخلاقي أوالمناجاة الغنائية أو السرد الانفعالي، ولذلك يمتلئ بالاستطرادات والتفاصيل، وتنفخ فيه وحدة التناغم والانسجام. أما قصيدة النثر، فهي شعر، لذلك فهي ذات شكل، ذات وحدة مغلقة، هي دائرة أو شبه دائرة لا خط مستقيم.. وبشكل عام، فإن النثر الشعري نثر يستخدم الشعر لغايات نثرية خالصة، أما قصيدة النثر فهي شعر يستخدم النثر لغايات شعرية خالصة.
يضاف إلى هذه الخصائص خاصية أخرى أهملها أدونيس وربما تعد الأهم في ظهور هذا الشكل الشعري وانتشاره في الثقافة العربية، ألا وهي: ظهور هذا الشكل التعبيري في الغرب منذ أمد بعيد، والتأسيس له نظريا وتجريبه نصيا، واعتباره أحد الأشكال الأساسية التي اعتمدتها الحداثة الغربية. والدليل على ذلك أن هذا المصطلح لم يظهر في الثقافة العربية إلا بعد الاطلاع على كتاب سوزان برنارد، بل إن ما كتب عنه ـ كما أشرنا ـ لم يتعد التلخيص المبتسر لما ورد في هذا الكتاب. ولم يتحدث لا أدونيس ولا أنسي الحاج عن أي مصدر آخر ديني أو عربي.
وقد حددت سوزان برنارد لهذا الشكل الشعري ثلاثة خصائص تبناها كل من الباحثين العربيين وهي :
أ ـ الوحدة العضوية، فقصيدة النثر بناء يصدر عن إرادة واعية، وليس مجرد مادة متراكمة تراكما غفلا، إنها كل غير قابل للتجزيء أو الحذف أو التقديم أو التأخير بين مكوناته .
ب ـ المجانية: فهذا الشكل، شكل جديد لا علاقة له بكل أشكال الكتابة المعروفة من نثر وشعر، ورواية ومسرحية، حتى ولو وظف تقنيات هذه الأشكال، فهو شكل جديد لا غاية له خارج عالمه المغلق، أي، أنه مجاني ولا زماني .
ج ـ الكثافــة: يبتعد هذا الشكل الجديد عن كل خصائص النثر من استطراد وإيضاح وشرح وإطناب، وتكمن خاصيته الشعرية في كثافته وإشراقه، وبعبارة أدونيس انه " كتلة مشعة مثقلة بلا نهاية من الإيحاءات قادرة على أن تهز كياننا في أعماقه، إنها عالم من العلائق".
1 ـ قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة : لم يكن الفرق بين قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة التي سبقتها إلى الوجود فرقا في البناء الخارجي، أو فرقا في الدرجة، لا ولا في حضور الوزن وعدم حضوره، وإنما يكمن في أعمق من ذلك. إنه فرق في لاحقية الشكل، وأولوية التجربة الشعرية على البناء، ورفض البناء على نمط واحد يتكرر. فقصيدة التفعيلة بعد سنوات معدودة نحت نحو التقعيد خصوصا مع نازك الملائكة، وسنت لنفسها حرية مقيدة تتنفس داخلها، وأشكالا بنائية تتكرر في كل قصيدة. أما قصيدة النثر، فقد فتحت باب التجريب كليا، ونفت كل القوانين، ودفعت بالتجربة إلى أمامية القول. وتميز فيها سوزان برنارد بين قطبين: قطب الهدم وقطب البناء.
والمصطلح نفسه يوحي بهذا التعارض الثنائي، فمصطلح قصيدة يعني البناء والتنظيم، ومصطلح نثر يعني الهدم والاسترسال في الكلام دون اعتبار لأي بناء فني. من هنا، ففي كل قصيدة نثر قوتان:قوة فوضوية هدامة تعمل على نفي الأشكال القائمة وتخطيها، وقوة منظمة تنزع إلى بناء كل شعري. فالبعد النثري تمرد ضد كل الأشكال، والبعد الشعري سعي إلى البناء. وقد ميزت سوزان برنارد بين نوعين من قصيدة النثر حسب هيمنة هذه القوة أو تلك، النوع الأول : القصيدة الشكلية، ومثلت لها بقصائد الوازوس برتراند، والنوع الثاني: القصيدة الفوضوية، ومثلت له بإشراقات رامبو..
والملاحظ أن الكتابات العربية لم تميز بين قصيدتين، وإنما تحدثت عن قصيدة نثر واحدة تتأرجح بين الهدم والبناء، إلا أنه في ما يبدو نظريا يهيمن على تفكير أدونيس النوع الشكلي، في حين يهيمن على تفكير أنسي الحاج النوع الفوضوي.
2 ـ حضور القصيدة الشكلية في قصيدة النثر العربية: يقول أدونيس:" أما قصيدة النثر فذات شكل قبل أي شيء، ذات وحدة مغلقة، هي دائرة أو شبه دائرة لا خط مستقيم، هي مجموعة علائق تنتظم في شبكة كثيفة ذات تقنية محددة وبناء تركيبي موحد منتظم الأجزاء متوازن، تهيمن عليه إرادة الوعي التي تراقب التجربة الشعرية وتقودها وتوجهها، إن قصيدة النثر تتبلور قبل أن تكون نثرا، أي أنها وحدة عضوية وكثافة وتوتر قبل أن تكون جملا وكلمات.".
واضح من هذا القول حضور الشكل والنظام في قصيدة النثر كما نظر لها أدونيس، فهي ذات بنية دائرية، وهذه البنية تنبني أساسا على التكرار بمختلف أشكاله وأنواعه. وقد حصرت سوزان برنارد ـ المرجع النظري الوحيد لقصيدة النثر العربية ـ أنواعه التي وظفها الشعر الفرنسي في أربعة أنواع:

ـ إعادة اللازمة عبر مسافات منتظمة لجعل الثابت محسوسا.
ـ تكرار بداية الجملة في النهاية لإغلاق القصيدة وتدويرها .
ـ تكرار الكلمات والانطباعات لاسيما في بداية المقاطع أو نهايتها.
ـ تكرار الأصوات .
ويرى أدونيس أن هذا الشكل الجديد ينبني على الجملة اللغوية بوصفها وحدة لغوية صغرى بدل البيت أو التفعيلة التي بنيت عليه الأشكال السابقة. وتتميز هذه الوحدة المتموجة بتنوعها حسب التجربة، فهناك الجملة النافرة المتضادة المفاجئة للتعبير عن الصدمة، والجملة الموجية للتعبير عن الحلم والرؤيا، والجملة الغنائية للتعبير عن الألم والفرح والمشاعر الكثيفة.


avatar
محمد الرفاعي
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 20
تاريخ التسجيل : 08/09/2010
العمر : 26
الموقع : العراق الحبيب

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://shababculture.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصيدة النثر

مُساهمة  بصـــ وافتخرــــراوي في الإثنين سبتمبر 20, 2010 3:29 pm

شاكرين لك على ما علمتنا اياه من نصائح قيمة سلمت يداك نترقب لقراءة المزيد من ابداعاتك
avatar
بصـــ وافتخرــــراوي
عضو فعّال

عدد المساهمات : 116
تاريخ التسجيل : 09/09/2010
العمر : 21
الموقع : العراق الحبيب\البصرة الفيحاء

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

شكر

مُساهمة  حسين البصراوي في الثلاثاء سبتمبر 21, 2010 4:38 am

جهود مميزة والله لايحرمنا من ابداعك في هذا المنتدى
avatar
حسين البصراوي
عضو فعّال

عدد المساهمات : 132
تاريخ التسجيل : 09/09/2010
الموقع : العراق الحبيب

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى